القائمة الرئيسية

الصفحات

نظرية التطور

 





مقدمة

عند الحديث عن نظرية التطور، ينزعج الكثير من المتدينين والمؤمنين. ويتصورون أنها تلازم الإلحاد ونسف الأديان أو معاداتها. وهذا الفهم خاطئ جداً. لأن تشارلز داروين نفسه كان من المؤمنين. ويوجد من علماء الدين المسلمين وغيرهم ممن لا يرى لا يرى فيها تعارضاً مع ما يعتقدون بها من ناحية الإيمان وأصل معتقداتهم. نعم قد يرونها تعارض بعض المفاهيم السائدة عندهم كعمر الأرض الذي كان يعتقد البعض منهم أنه لا يتعدى العشرة آلاف سنة كما عليه بعض النصوص القديمة في بعض الأديان. أو خلق الإنسان من طين وقصة آدم وحواء السائدة أيضاً. والتي يرى الكثير منهم أنها محمولة على الرمزية ويمكن التوفيق بينها وبين نظرية التطور.

التطور حقيقة. والنظرية التي تفسره أصبحت مدعومة بالكثير من الأدلة التي لم تتوفر حتى للجاذبية مع أنها أصبحت من المسلمات التي لا يختلفون عليها. وهي محل قبول، بل يدور حولها العلم في كل الجامعات المرموقة في العالم. وهي العماد لعلم الأحياء الذي يرتكز عليه الطب وغيره مما يدخل في مختلف مناحي الحياة.


توجيه النصوص الدينية

الكثير من النصوص الدينية يتم رفع اليد عن ظاهرها بكل أريحية لأن البقاء على الظاهر فيها يتعارض مع الثوابت العقلية والمنطقية عندهم. فهم يرفعون اليد عن الآية التي تقول: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أيدِيهِم) الفتح 10. ويفسرون اليد هنا بالقوة وما شابه. لأن المعنى الحرفي والظاهري لليد يكون بمعنى أن لله يداً كما الحال في الإنسان وغيره. ويرفعون اليد عن ظاهر الآية: (وجاء ربُك والمَلَكُ صَفاً صَفاً) الفجر 22. ويفسرونها بمعنى جاء أمر ربك. وكذلك الحال في الآية: (وَمَنْ كان في هذِهِ أعمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعمى وأَضَلُ سَبِيلاً) الإسراء 72. فلا يحتمل أن يفسر العمى هنا بفقد البصر. وإنما يفسر بالضلال. وغير ذلك الكثير من النصوص التي لا يتمسكون بظاهرها لأن الظاهر ينفيه ما تسالموا عليه.

فلا بأس برفع اليد عن ظاهر قصة آدم وحواء، حينما يكون هذا الظاهر متعارضاً مع ما يثبت من النظريات العلمية. ورفع اليد عن كونهما أول البشر ومنهما جاء جميع الناس. بل يمكن القول بأنه رمز عن الإنسان العاقل وما شابه. ومن الروايات ما يدعم وجود البشر قبل آدم. وقبول أن البشر قد جاءوا من سلف مشترك من الكائنات الحية أقرب للعقل والمنطق من القول بخلقهم من الطين. فكما رفعنا اليد عن ظاهر الكثير من النصوص. يمكن رفع اليد أيضاً عن الطين بكل سهولة ويسر. وليس في ذلك إساءة لكل متدين.

علماً أن نظرية التطور لا تقول بأن أصل الإنسان هو القرد، كما يتوهم البعض أو يصدق من يريد النيل من النظرية بهذا الأسلوب. وأنما يقول التطور بأن الإنسان والقرود الحالية قد انحدروا من سلف مشترك. وهذا السلف ليس هو السلف المباشر بينهما، وأنما هو بعيد عنهم نسبياً إلى ملايين السنين تقريباً. وفي هذه الفترة يوجد الكثير من الحلقات التي تطور منها الإنسان حتى وصل إلى الإنسان العاقل أو الحديث. وكذلك الحال بالنسبة للقرود وباقي شجرة الحياة. ولا نعني بالسلف المشترك هنا هو الذكر الواحد والأنثى الواحدة. فلا يمكن أن يكون كل هذا الإنتواع من شخصين فقط. وإنما هي تفاصيل لا تتضح إلا بعد بذل شيء من عناء قراءة الكتب العلمية الموثوقة لتفهم القصة الكاملة.


التوفيق بين التطور والدين

مضافاً إلى فكرة يمكن طرحها ليستطيع المتدين أن يوفق من خلالها بين نظرية التطور وبين ما يعتقده. وحاصلها أن المتدينين يعتقدون بأن مهمة الأديان كانت هي التكامل التدريجي للبشرية على مستوى التربية وتبليغ الأحكام الشرعية. وأن البشرية لم تكن تتحمل كل التفاصيل التي جاءت بها الشرائع المتأخرة. وهذا يعني أن الأحكام التي يعلم الله تعالى أنها صالحة وترفع مستوى تربية الناس. قد أجلها إلى حين تكامل الناس عقلياً ونفسياً ليكونوا مستعدين لقبولها وتطبيقها. فهذا التدرج والتكامل الذي يأخذ وقتاً طويلاً موافق للحكم والمصلحة الشرعية.

ومن هنا يمكن تطبيق هذه الفكرة على المستوى التكويني أيضاً. وهي أن الله تعالى أوجد القوانين في هذا الكون وأعطاه الاستعداد للتطور والتكامل. وجعل الزمن كفيلاً بأن يتجه الكون بكل ما فيه نحو الكمال وانتخاب كل ما له الصلاحية لذلك. فكما هو قادر بأن يجعل البشر كلهم على مستوى تام من التكامل من أول البشرية. ولا داعي لأن تتدرج الشرائع والنبوات في ذلك. كذلك الأمر في الكون كله ليس على مستوى التشريع فقط. ومعلوم أن وصول الناس كلهم للكمال بالقوة والقهر والسلطة التكوينة لا يعد فضيلة لهم. إلا أن يصلوا إلى ذلك عن طريق التعب وبذل الجهد. فهذا عيناً ما يمكن قوله في تكامل الكون وتطوره تدريجاً.

عن طريق كل ما قدمناه يستطيع المؤمنون أن يعتقدوا بصحة نظرية التطور من دون الخوف بأنها تعارض أصل معتقداتهم. فالكثير من علماء الأحياء يقولون بحقيقة التطور وهم على إيمانهم. لكنهم يؤمنون بالتطور الموجه. بمعنى أن يكون تحت عناية خالق حكيم، لا أنه يسير وحده من دون توجيه.

وأنا شخصياً سمعت من عدد من علماء الدين يقولون بجواز القول بصحة نظرية التطور على أن يكون موجَهاً من خالق.


هل قدموا ما يدحض النظرية؟

لم يُقدَمْ إلى الآن أي رد علمي يدحض نظرية التطور، وهي صامدة كالعادة بما تحمله من كم الأدلة الهائل، من فروع علمية مختلفة كلها تجتمع لدعمها. بل إن الأدلة الداعمة في تزايد يوماً بعد يوم. حتى السجل الأحفوري هو في تزايد وليس في ضعف كما يحاول البعض أن يوهم من لا علم له. ولكن من يحاول التصيد بالماء العكر يريد أن يخدع السذج بأن السجل الأحفوري هو نفسه الذي كان في أيام داروين، وهذا خطأ فادح ولا قيمة له. لأن داروين نفسه سيذهل من الكم الهائل للأحافير التي اكتشفت من زمانه إلى يومنا هذا. مضافاً إلى الفروع العلمية الأخرى كعلم الوراثة، والتشريح المقارن، وغيرها. وكذلك التنبؤ الزماني والمكاني لظهور الكائنات الحية وانطباق ذلك بشكل مذهل بعد البحث. كلها أدلة ساطعة تجعل من التطور حقيقة لا يشكك في صحتها إلا معاند أو مدافع عن عقيدة لقنت له من دون دراسة أو علم، ويحاول دحض كل شيء يخالفها من دون تثبت.

اسأل أهل الاختصاص. هل توجد ورقة علمية واحدة. قدمها صاحبها لدحض نظرية التطور؟ مع أن التطوريين يكتفون بدليل يثبت وجود أرنب في العصر الكامبري! بمعنى إثبات وجود كائن في السلم الأحفوري سابق لزمانه بحسب سجل الأحافير. لا يوجد على الإطلاق.

المناهضون لنظرية التطور يخوضون حرباً عقائدية وسياسية معها، ولا تمت إلى البحث العلمي الرصين والمحايد بصلة. ولم يكن همهم من سنوات أن يصلوا إلى الحقيقة فعلاً. فالنظرية عبرت التحديات، وفي جعبتها عدد هائل من الأدلة ومن عدة حقول علمية. حربهم هذه تحولهم إلى إيقونات للسخرية ليس إلا، ولا يكون الخاسر فيها إلا هم.


من أدلة التطور

التطور الصغروي مع مرور ملايين السنين، ومختلف الظروف والضغوط البيئية بصورها الكثيرة والمتنوعة، سوف تنتج حتماً تطوراً كبروياً، ولا يرفض ذلك إلا من يكابر على حساب الحقيقة، ليس لشيء سوى نصرة معتقده الديني. وقد قلنا سابقاً بأن التطور يمكن قبوله دينياً بعد تعديل طفيف في فهم النصوص أو في تفسيرها.

هل يستطيع الرافضون لنظرية التطور أن يفسروا لنا سبب امتداد العصب الحنجري الراجع في الزرافة وفي غيرها من الثدييات، ولكنه في الزرافة أوضح على التطور. مع العلم أنه يربط بين المخ وبين الحنجرة، فلماذا يلتف كل هذه المسافة وينزل إلى الصدر ثم يرجع الى الحنجرة؟!! لا يفسر الموضوع إلا بالتطور، وأن هذه الحيوانات لها سلف مشترك وهو السمكة، فكان هذا العصب في الأسماك يربط بين المخ وبين الخياشيم وهما متقاربان بطبيعة الحال. ولكن ملايين السنين مرت بعد ذلك وحصلت كل هذه الطفرات والتغيرات البايلوجية في هذه الحيوانات. إلا أن هذا العصب أخذ هذه الالتفافات التي تكون مبررة فقط مع التطور.



وهل يستطيع الرافضون لنظرية التطور أن يفسروا لنا سبب وجود الجين المسؤول عن تكوين فيتامين (C) في الإنسان وباقي القرود ولكنه معطوب أو معطل والذي يطلق عليه (GLO) اختصاراً، لذلك يحتاج الإنسان أن يعوض ذلك عن طريق الطعام!! فلماذا يوجد جين معطوب أصلاً؟!! لا يفسر الأمر إلا بالتطور، وأن طفرة ما في سلفنا المشترك قد حصلت وأعطبت لنا هذا الجين. ولكننا بقينا نحمله ونحمل الكثير من الجينات المعطوبة المنتقلة لنا عبر تأريخنا التطوري!! 

هذا الجين المعطل لدى الإنسان وباقي الرئيسيات قد حصل بنفس الطفرات لدى الجميع. ولا يمكن القول بأن هذا حصل بالصدفة عند هذه الأنواع. وإنما حصل هذا التعطل لدى السلف المشترك بين هذه الرئيسيات قبل ملايين السنين.



وكذلك الحال في الحيتان مثلاً، فلو كان أصل وجودها في الماء فلماذا تتنفس عن طريق رئتين، وتحتاج إلى الخروج خارج الماء بين الحين والآخر للتنفس؟ مضافاً إلى وجود أطراف خلفية مضمورة ولكنها موجودة، وتدل بوضوح على أنها كانت أقداماً لسلفها الذي كان يعيش على اليابسة.





نظرية التطور جميلة وفيها الكثير من التفاصيل الممتعة، والتعمق فيها يفسر لنا الكثير من الأمور الخافية.

 

وهنا رأي الشيخ الدكتور أحمد الوائلي بداروين ونظرية التطور.



أنصح بقراءة هذه الكتب

وللتوسع أنصح بقراءة الكتب التالية:

_ كتاب (مقدمة قصير جداً)

برايان تشارلزوورث

ديبورا تشارلزوورث

_ كتاب (لماذا النشوء والتطور حقيقة)

لأستاذ علم الأحياء التطوري جيري كوين.

_ كتاب (السمكة داخلك)

لأستاذ علم الأحياء التطوري نيل شوبين.


***********************


***********************

التنقل السريع