القائمة الرئيسية

الصفحات

تصوف الذاكرة

 


تصوف الذاكرة

وإن كنتُ بمستوى من مستويات تفكيري أميل إلى مدرسة (سر اللحظة) لأنها هي الزمن الحقيقي الذي ينبغي التركيز عليه، والاستفادة من كل عطاءها وطاقتها. من دون الاستغراق كثيراً بالماضي، لأنه زمان لا وجود له ولا عودة. وكذلك من دون التسلق إلى المستقبل والتفكير المكثف به، لأنه لا وجود له الآن من ناحية، ولأنه سوف يتأسس وفقاً لمعطيات الزمن الحالي، والذي هو اللحظة التي نعيشها حالياً. فلماذا نغفل عنها، ونذهب إلى زمان لا وجود له الآن من منظورنا؟!

بالرغم من ذلك، إلا أننا وبكل تأكيد علينا الاستفادة من ماضينا بتجاربنا وتجارب غيرنا، والأمر بهذا المقدار أمر جيد ومن هنا ندرس التأريخ. وكذلك فإن في ذاكرتنا الشخصية التي نستطيع أن نعبر عنها بأنها مقبرة لمختلف الذكريات، بعضها نسيناه تماماً لعدة أسباب. وبعضها شاخص أمامنا عندما نستدعيه، ولربما يقفز أمامنا من دون استدعاء منا، بل يكون ذلك لأسباب أخرى قد تكون خارج إرادتنا! الكثير مما ينفعنا.

إذن، فهذه المقبرة الجميلة أو الموحشة فيها مختلف الصور الحية التي قد نعيشها وكأنها واقع. ويمكن أن نتفاعل معها بتأمل واستفادة، وهذا يتطلب التمييز بين بعض التجارب التي لا ينبغي جلد الذات كثيراً من أجلها، وإنما علينا أن نحولها إلى دروس نستفيد منها في حاضرنا. وبين بعض الصور والذكريات الجميلة المفعمة بالروحانية التي تصلح أن تكون وسيلة لإعادة الحسابات، أو تحديث ما يمكن تحديثه في جانب الوعي، وتسخيرها كمدارات معنوية نتطور من خلالها بمدد من التصوف الشخصي البعيد عن المظاهر والطقوس الخارجية التي قد يشوبها الكثير من الشوائب.

أهل العرفان والتصوف يقولون بأن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. لأن الكمال والجمال المطلق لا يمكن الاقتصار بالاقتراب منه، والاندماج بمستويات حقيقية من التوحيد، على طريق واحد أو طرق معدودة محددة وقليلة. ولا يستطيع أحد أو اتجاه أن يدعي التفرد بالحقيقة، وأنه هو وما بعده التيه! فمن يعتقد ذلك فهو واهم، ولم يستوعب أدنى مراتب الكون فضلاً عن (اللا متناهي)!

ذاكرتنا فيها الكثير ليس مما عشناه على المستوى الشخصي فقط، وإنما الذي عاشه أسلافنا أيضاً.

دعوني هنا أذكر لكم تجربة علمية مع تفسيرها. وقد رأيتها شخصياً، وبإمكان كل أحد أن يتأكد منها. وحاصلها بأنهم قد جمعوا عدداً من الصور المختلفة، لربما تصل إلى ثلاثين صورة أو أكثر. لعدد من الأشياء المختلفة كحيوانات ونباتات وجمادات على سبيل المثال. ومن بينها صورة لأفعى، وصورة لعقرب. ومن ثم حرَّكوا تلك الصور على التعاقب بشكل سريع. فأنا وغيري لم نميز من بين تلك الصور إلا الثعبان والعقرب.

والسبب في ذلك هو أن عقولنا مبرمجة على تمييز الثعبان والعقرب بشكل أسرع من الأشياء الأخرى لكي نحمي أنفسنا ونحذر من خطرها. وهذه القدرة على التمييز لا تأتي من تجربتنا الشخصية، وإنما من تجارب أسلافنا الذين عاشوا بالقرب أكثر من هذه الكائنات الخطرة. وانتقلت إلينا هذه القدرة عن طريق جيناتنا.

الكثير قد كتب عن قدرة العقل الباطن، وأنه قد اندمجت به الكثير من المهارات، والأساليب التقنية التي تساعدنا على العيش وتوجيه بوصلة حياتنا.

كل المدارس الروحية والباطنية على مختلف مشاربها واتجاهاتها سواء كانت دينية أو غير دينية، فهي تسعى بمريديها إلى الانفتاح قدر الإمكان على العقل الباطن، للاستفادة من قدراته الهائلة.

قد يفقد الفرد عزيزاً أو يغيب عنه، فيجد سلوته في صوره أو ما علق من ذكريات في دماغه. يتفقدها بين الحين والآخر ليعيش حالة نفسية مريحة، تبعث لوقته شيئاً من اللحظات التي يعيش معه من خلال هذه الصور المادية أو العقلية.

بناء القبور

ومن هنا نصل إلى القبور التي تحتضن أحبابنا، وكيف أننا نهتم بها ونزورها، وفاء منا لهم، ومن أجل إشباع ذلك الشوق لوجودهم الذي حُرمنا من أغلب صوره الحية عندما كانوا بيننا، واقتصر الأمر منهم على هذا المقدار، وليس لنا حول أو قوة لأكثر منه. إلا ما يقوم به البعض من أعمال ومساهمات اجتماعية تخليداً لهم وحباً بهم، وفي ذلك يختلف الناس كثيراً كما لا يخفى.

لفت نظري كلام بعض الفقهاء حينما يقولون بكراهة (البناء على القبر وتجديده إلا أن يكون الميت من أهل الشرف) وقد يمرون على هذه العبارة ويكررونها في كتبهم من دون التدقيق في محتواها أو دليلها! وهي كلمة قد تتضمن شيئاً واضحاً من التمييز العنصري. فمَن مِن الناس لا يعتقد أن أمواته من أهل الشرف والتقدير اجتماعياً إلا ما ندر. فالشرف هو العلو والمجد والمكانة المرموقة. وكل الناس على مختلف أشكالهم ومراتبهم يعتزون بأهلهم وآبائهم وأحبائهم. ويرغبون بالتواصل معهم عن طريق زيارة قبورهم، ولا علاقة للأمر بالدين، لأن هذا واقعُ مختلَفِ الشعوب على مختلف الأزمان والأماكن.

ولا أريد هنا الدخول في تفصيل أن الشريعة أو الدين، هل يتدخل في كل تفاصيل الحياة الشخصية والعامة، كما عليه المشهور وفقاً لما قالوه: (ما من حادثة إلا ولها حكم)؟ أم أن الأمر فيه آراء ومدارس أخرى؟ هذا ما يمكن الاستفاضة حوله في مناسبة أخرى.

إلا أن ما يمكن قوله هنا ما دامت الأدلة غير تامة بالتدخل ببعض التفاصيل، وأنها على أصل الإباحة، فلا ينبغي التدخل بخصوصيات الناس فيما يتعلق بأمواتهم وقبورهم، وطرق التواصل معهم بما يريحهم نفسياً.

دعونا الآن ندخل في الجانب الفقهي بما يتعلق بهذا البحث حول بناء القبور، وما قيل عن كراهة ارتفاعها أكثر من أربع أصابع منفرجات.

التفاصيل الفقهية

فقد أفتى الفقهاء بكراهة رفع القبر أكثر من (أربع أصابع منفرجات) وكراهة (تسنيمه).

أما فيما يتعلق بكراهة الارتفاع المذكور فهي بعض الروايات أمثال رواية محمد بن مسلم قال: سألت أحدهما (عليهما السلام) عن الميت فقال: "تسلم من قبل الرجلين وتلزق القبر بالأرض إلا قدر أربع أصابع مفرجات: تربع قبره". وسائل الشيعة ج3 ص181 باب 22 الرواية 2.

وكلها روايات ضعيفة سنداً لا يمكن الاعتماد عليها في مقام الفتوى.

وأما كراهة التسنيم فهي أمثال رواية السكوني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: "قال أمير المؤمنين(عليه السلام): بعثني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، فقال: لا تدع صورة إلا محوتها، ولا قبراً إلا سويته، ولا كلباً إلا قتلته). الكافي للكليني ج6 ص528 الحديث 14 باب تزويق البيوت.

 والتسوية هنا لا تعني الهدم، وإنما تعني جعله على غير هيئة التسنيم. ولذلك فقد أفتوا بكراهة التسنيم. وهو جعل القبر على هيئة السنام كأنه الهرم أو المثلث.

والرواية أيضاً ضعيفة السند، ولا يمكن الاعتماد عليها. وما ذنب الكلاب لكي تقتل؟! وهل من المعقول أن توكل مثل هكذا مهمة إلى الإمام علي(عليه السلام) ليترك أعماله ومسؤولياته وينشغل بها؟!

المهم هنا والذي نريد تسليط الضوء عليه ليست هي أسانيد الروايات ودلالاتها، فالفقهاء يسلمون بضعف سندها، ولذلك أفتوا بالكراهة ولم يفتوا بالحرمة.

ولكن المهم هو أنهم لماذا أفتوا بالكراهة أصلاً؟ ولماذا لم يعرضوا عن هذه الروايات كأنها غير موجودة، كما فعلوا مع عدد هائل من الروايات في كتب الأخبار؟

لقد درج الفقهاء في رسائلهم العملية في نهاية كل باب فقهي، كالطهارة والصلاة والحج وغيرها، أن يذكروا المستحبات والمكروهات المتعلقة بذلك الباب. ويكتفون عادة بقولهم: (قالوا)، ومن ثم يعددون عدداً منها. والقائل هم الفقهاء السابقون. والتي يثقون بأنها مستندة على بعض الروايات حتى لو كانت ضعيفة. وفي بحوثهم الاستدلالية لا يتوقفون عند أدلة تلك المستحبات والمكروهات إلا إذا كانت هناك احتمالية الوجوب في ذلك المستحب، كغُسل الجمعة الذي يقول البعض بوجوبه، ولكن المشهور على استحبابه. فإنهم حينئذ يناقشون الأدلة لنفي الوجوب وإثبات كونه مستحباً. أما الغالبية العظمى فإنهم يذكرونها بناء على قاعدة تم تأسيسها والقول بها عند بعض الفقهاء، وهي (قاعدة التسامح في أدلة السنن). بمعنى أن يتساهلوا ويتسامحوا في أدلة المستحبات والمكروهات، ولا يشترطون فيها ما يشترطونه في أدلة باقي الأحكام الشرعية المتعلقة بالواجبات والمحرمات، مثل شرط اعتبار السند في أدلتها وما شابه. يكفي أن تأتي رواية حتى لو كانت ضعيفة تدعو لمستحب أو تنهى عن مكروه، فيثبتون الاستحباب والكراهة وفقاً لهذه القاعدة.

قاعدة التسامح في أدلة السنن

وهذه القاعدة تستند إلى بعض الروايات التي يعبِّرون عنها أخبار (من بلغ)، وإنما عبروا عنها بذلك، لأنها تشتمل على لفظ (من بلغه ثواب من الله عز وجل على عمل) وما يقترب من ذلك، كما سيتضح بعد قليل.

والغريب أن بعض الفقهاء يدَّعي بأن هذه القاعدة كانت مشهورة ومتداولة لدى المتقدمين من الفقهاء. وهو ادعاء لا أصل له. ولم تكن هذه القاعدة معروفة عندهم.

وكذلك ادعى البعض بأن الروايات التي تدعم هذه القاعدة مستفيضة، بل لا يبعد فيها التواتر. وهو ادعاء مجانب للحقيقة تماماً. لأن أخبار (من بلغ) لا تتعدى الخمسة أخبار، كلها ضعيفة ما عدا رواية واحدة!

لا تستغرب من ذلك، فإن الكثير من المسلَّمات لدى بعض الفقهاء، أو ادعاء الإجماع أو الشهرة. عندما نحقق فيها نجد أنها ادعاءات لا أصل لها. فلا إجماع ولا مسلَّمات ولا حتى شهرة فيما يدعون. بل إننا قد نجد بعض الآراء الفقهية، يدَّعون فيها الشهرة ولكننا نجد آراء أخرى أكثر منها شهرة. ولربما نتعرض إلى بعضها في مناسبات أخرى.

فما قيل عن وجود هذه القاعدة لدى المتقدمين، أو أن الأخبار الدالة عليها مستفيضة، هو مما لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.

مستند القاعدة

أهم رواية في هذا الباب هي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: "من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه، كان له، وإن لم يكن على ما بلغه". الكافي للكليني ج2 ص87 باب (من بلغه ثواب من الله على عمل) الحديث 1.

وأما الروايات الأخرى كرواية محمد بن مروان قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: "من بلغه ثواب من الله عز وجل على عمل، فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب، أوتيه، وإن لم يكن الحديث كما بلغه". نفس المصدر الحديث 2. فإنها ضعيفة السند ويمكن المناقشة في دلالتها كثيراً.

ومثلها رواية صفوان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: "من بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله، كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يقله".

ورواية حمدان بن سليمان قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) عن قول الله عز وجل: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره... الآية." قال: "من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم لله، والثقة به، والسكون إلى ما وعده من ثواب حتى يطمئن". فهي مضافاً إلى ضعف سندها، فإنها لا تدل على المطلوب، لأنها أجنبية عن محل الكلام.

وبعد تمحيص الروايات الواردة بهذا الشأن نجد أنها إما ضعيفة سنداً، أو مرسلة لا سند لها. مضافاً إلى المناقشة الواسعة في دلالتها.

لم تبقَ إلا الرواية الأولى التي ذكرناها، وهي صحيحة هشام بن سالم. فهي وإن كانت معتبرة سنداً، إلا أن في دلالتها مجالاً كبيراً للمناقشة.

مناقشة الدلالة

ولا أقل هنا من ذكر أمرين مهمين:

الأمر الأول: أننا عندما نريد أن نؤسس لقاعدة أصولية بحجم قاعدة (التسامح في أدلة السنن) لا يمكن أن نكتفي بصحيحة واحدة لا تفيد أكثر من الظن المعتبر. بل لا بد من الاطمئنان والوثاقة بصحة صدور مثل هذه الرواية. فإن الشارع وإن أضفى الشرعية على مثل هذا الظن في مختلف الأحكام والمسائل. إلا أنه لا يكفي ذلك لتأسيس قواعد أو كبريات يعتمد عليها في مختلف أبواب الفقه.

لا يمكن أن يستهان بالمستحبات والمكروهات، فهي وإن كانت غير إلزامية، إلا أن بعض لوازمها مما تترتب عليها نتائج مهمة، قد تصل إلى حد الظلم كما سوف نشير لاحقاً.

مضافاً إلى أنه قد يكون باباً للوضَّاعين الذين جاءوا بآلاف الروايات ادعاءً منهم بأن المنهي عنه هو الكذب على رسول الله، أما الكذب لرسول الله فهو جائز بحسب زعمهم!

ومعنى الكذب لرسول الله، هو أن يضعوا ويختلقوا الروايات التي لم تصدر عن أهل البيت(عليهم السلام) وذلك من أجل خدمة الدين وإعلاء شأنه! فإذا وجدت هكذا قاعدة تجيز الاعتماد على أي رواية حتى لو كانت ضعيفة، فإنه باب سوء ينفتح منه الكثير من الأضرار الدينية أو الاجتماعية.

وأين باقي أئمة أهل البيت من هذه القاعدة؟ فلماذا لم يشيروا إليها في رواياتهم، مع أنهم اهتموا بالكثير من التفاصيل التي لا تضاهي حجم هذه القاعدة وما يتفرع عنها؟

الأمر الثاني: وهو العمدة في عدم الأخذ بالصحيحة. وذلك أننا لا يمكن أن نستظهر منها معنى محدداً في فهم دلالتها، لكي نؤسس عليها القاعدة. بل لدلالتها عدة احتمالات من المعاني ولا مرجح لأحدها على باقي الاحتمالات.

ومن هنا تكون الصحيحة مجملة. فلا يمكن البناء عليها. لأن الروايات المجملة تطرح ولا يمكن أن نستنبط منها حكماً شرعياً مهما كانت درجة وثاقة سندها.

ومن هنا فإننا نجد عدداً من الفقهاء بما فيهم بعض المتأخرين والمعاصرين، لم يقبلوا هذه القاعدة، فإذا ذكر بعضهم مستحباً أو مكروهاً فإنهم يقيدون العمل به برجاء المطلوبية. لا أنه مستحب أو مكروه وفقاً للقاعدة المذكورة.

احتمالات دلالة الروايات

ومما قيل أو يمكن أن يقال في فهم دلالة الروايات الواردة سواء كانت الصحيحة أم غيرها هي عدة احتمالات نذكرها باختصار:

الأول: إسقاط الشروط المعتمدة في حجية الأخبار، وعدم الالتزام بها في باب السنن. وهو المعنى الذي أسس عليه من يقول بصحة القاعدة.

الثاني: هو الإرشاد إلى حكم العقل بأن الاحتياط حسن. فتكون النصوص إرشادية لا مولوية.

الثالث: أن المطلب لا علاقة له بالفقه، بل هو أقرب إلى علم الكلام المتعلق بالثواب والعقاب، وهو نحو إخبار بأن الله وعد بالجزاء على هذا الفعل، إذا قام به المكلف. بغض النظر عن كونه مستحباً أو ليس كذلك في الواقع.

الرابع: أن هذا الاستحباب ليس هو بالعنوان الأولي، وإنما هو عنوان ثانوي تأسس بعد الالتزام به. وقيام المكلف بذلك العمل وفقاً لرواية ضعيفة. وكأنه قد طرأ هذا الثواب بعد التلبس بالعمل، وفقاً لعمومات أخرى، هي أقرب إلى العمومات الفوقانية المرتبطة برحمة الله وكرمه.

الخامس: هو أن يكون الفعل المنبعث من المكلف كان بدافع النية الحسنة للعمل الصالح، وأن الثواب يقع على حسن النية، بناءً على ما ورد من أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى. أو نية المرء خير من عمله. وما شابه ذلك.

إلى غير ذلك من المحتملات الأخرى التي تجعل الروايات بما فيها الصحيحة مجملة في ذلك، ولا يمكن الاستدلال بها على ما ذهب إليه مَن التزم بصحة القاعدة.

ولو تنزلنا -ولن نتنزل- وقبلنا بالقاعدة، فهي مختصة بالمستحبات، وأما شمولها للمكروهات فهو مما لا يمكن المساعدة عليه.

وخلاصة القول فإن الأدلة التي وردت في المستحبات والمكروهات لا بد من تمحيصها وفقاً للشروط التي نعامل بها باقي النصوص التي تتعلق بعموم المسائل الفقهية الخاضعة للاستنباط.

مراقد أهل البيت

إن هذه المراقد لا تمثل طقوساً دينية أو رموزاً مرتبطة بتدين المسلمين فحسب. بل هي أصبحت مرتبطة بذاكرة الناس وثقافتهم ووعيهم وممارساتهم الاجتماعية التي ترتبط بهم على الصعيد النفسي والعاطفي. شأنها شأن الكثير من الطقوس المرتبطة بإقامة العزاء والذكريات الأخرى ما داموا لا يؤذون من خلالها أنفسهم أو الآخرين. وما دامت لا تعطِّل الحياة على الصعيد العلمي والعملي.

لعل الكثير من الدول تتمنى أن تكون لديها بعض الآثار أو المراكز التي تنفعها على صعيد السياحة لدعم الاقتصاد مثلاً. فلو غضضنا النظر عن الجانب الديني فإن الكثير من المزارات أصبحت سبباً لتقارب بعض الشعوب وتواصلها تحت غطاء مشترك، وكل ذلك ينفع على الصعيد العاطفي والثقافي والاقتصادي فيما لو استثمرت من قبل الدولة بشكل صحيح ونافع.

أنا لست من المروجين إلى الاستشفاء عن طريق (الماورائيات) وإنما أدعو إلى مراجعة الأطباء في ذلك. حتى عندما كنت أتعرض إلى بعض الأسئلة التي يدَّعي أصحابها أن بعض الأشخاص مصابون بتلبس الجن وما شابه كما يتوهم الناس. فقد كنت أدعوهم للذهاب إلى الأطباء النفسيين. وإن كانت بعض مجتمعاتنا لا توجد لديها هذه الثقافة، ويعتبرون أن مراجعة الطبيب النفسي أمر معيب مع شديد الأسف!

وكان أهل البيت يرجعون إلى الأطباء عندما يمرضون كما سوف نشير. وكذلك رجال الدين من الفقهاء وغيرهم.

إلا أنني أود أن أشير بأن الكثير من الأمراض مرتبطة بعوامل نفسية. وقد يجد المريض راحة عند زيارة المراقد لأهل البيت(عليهم السلام) تساعده على الشفاء فعلاً. وهو أمر لا يرتبط بمذهب أو دين معين. بل الأمر يمكن أن يكون كذلك في مختلف الأديان والثقافات، ودرجة إيمانهم واعتقادهم برموزهم.

وهذا الأمر معروف طبياً حتى عندما يجرِّبون بعض الأدوية، فإن بعض المراحل التي يمرون بها، هي أنهم يتعاملون مع الجانب النفسي، لكي يتأكدوا من نجاعة هذا العلاج فعلاً، ولا تكون الاستفادة مرتبطة بجانب نفسي لا علاقة مباشرة له بهذا العلاج.

ليس من الحكمة الإساءة إلى معتقدات الناس ما داموا لا يضرون بها أنفسهم أو مجتمعهم. حتى لو وصل البعض إلى قناعات مختلفة. فلستَ وصياً على غيرك، وليس من حقك أن تسفِّه من تفكير غيرك حتى لو رأيته خاطئاً من زاوية نظرك. وهناك مختلف الطرق لطرح القناعات بشكل معقول ومقبول.

نعم، نحن ندرك جيداً أن الكثير من القبور والمزارات وهمية، أراد من يقف وراءها أن يجعلها دكاكين للارتزاق. وإيهام الناس بقصص وخرافات لا أصل لها من أجل الضحك عليهم. وأعتقد أن معالجة ذلك ينبغي أن تكون بحذر، وعن طريق مؤسسات مختصة بذلك، من دون افتعال أزمات أو مشاكل أو فتن لا تنتج إلا التمزق. وإنما تعالج بالعلم والحكمة.

أمثلة أخرى

وأود هنا أن أذكر مثالين آخرين ورد النهي عنهما، وحُمل هذا النهي على الكراهة وفقاً للقاعدة المذكورة.

المثال الأول: كراهة أكل الجبن من دون ضم الجوز إليه! وأنا متعمد لإيراد هذا المثال للإشارة إلى أمر مهم.

دعني أولاً أشير إلى الرواية التي وردت في ذلك. فقد ورد في وسائل الشيعة الجزء 25 الصفحة 121 باب استحباب أكل الجبن مع الجوز، وكراهة كل منهما منفرداً.

بسند عن ابن محبوب عن عبد العزيز العبدي، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام ): "الجبن والجوز إذا اجتمعا في كل واحد منهما شفاء، وإن افترقا كان في كل واحد منهما داء".

وبسند عن عبيد بن زرارة، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إن الجوز والجبن إذا اجتمعا كانا دواء، وإن افترقا كانا داء".

وغيرها من الروايات المحمولة على الكراهة. وهي وغيرها الكثير من الروايات التي تدخل بما يسمى بطب الأئمة. بحيث ألفت كتب خاصة بذلك. وبحسب ما أفهم فإن الكثير من هذه الأمور وغيرها مما ينسب إلى أهل البيت(عليهم السلام) من (الحِكم)، إنما هي موضوعة عليهم. والغرض من ذلك هو الترويج لمختلف هذه الأقوال، فإذا نسبت إلى واحد منهم ذاع صيتها، وانتشرت بشكل أسرع وأكثر تأثيراً مما لو نسبت لقائلها الفعلي الذي لا نعلم من يكون!

وهذا الاتجاه الذي عليه الكثير من الناس بأن أهل البيت يعلمون كل شيء ولهم إحاطة بكل حقول المعرفة وجميع الاختصاصات كالطب وغيره، ولهم القدرة على التكلم بجميع اللغات مثلاً، إنما هو من الغلو الذي نهى عنه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في الكثير من الروايات. وهذه الادعاءات التي تضفي عليهم صفات الألوهية هي مما يسيء إليهم ولا يرفع من شأنهم. بل إن فضيلتهم وعلو منزلتهم نابع من كونهم بشراً لهم قابلية عالية وتربية فريدة تنزههم وترفع قدرهم. أما أن نحولهم إلى آلهة فهذا مما لا يمكن قبوله بحال كما لا يخفى.

لقد كانوا يمرضون، وعندما يمرضون فإنهم يرجعون إلى الأطباء. ولم يتصدوا لعلاج الناس، أو روجوا إلى أنفسهم للشفاء من كل داء كما يصور البعض.

كانوا يحترمون الاختصاصات المختلفة، ويحثون الناس على الرجوع إلى المختصين في كل صنعة. ويقومون هم بمسؤوليتهم المناطة بهم ولا يخلطون الأمور كما يحلو للبعض أن يفعل.

لا تتوقف فائدة الجبن على الجوز، وكذلك العكس. فكل طعام منهما له فوائده منفرداً ومستقلاً عن الآخر. ولا بد من رفض الكثير من الروايات الضعيفة أمثال ذلك، ولا يمكن قبولها أو نسبتها لهم بحال.

المثال الثاني: ما هو متداول في بعض كتب الفقه مع شديد الأسف. من كراهة الزواج من الأكراد. استناداً إلى رواية ضعيفة أيضاً. فقد جاء في الكافي للكليني الجزء الخامس الصفحة 352:

علي بن إبراهيم، عن إسماعيل بن محمد المكي، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن الحسين بن خالد، عمن ذكره، عن أبي الربيع الشامي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشتر من السودان أحداً فإن كان لابد فمن النوبة. فإنهم من الذين قال الله عز وجل: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به) أما إنهم سيذكرون ذلك الحظ وسيخرج مع القائم (عليه السلام) منا عصابة منهم. ولا تنكحوا من الأكراد أحداً فإنهم جنس من الجن كشف عنهم الغطاء!

وهي ضعيفة بأبي الربيع الشامي، وينبغي الإعراض عنها لأنها بلا شك جناية على شعب كامل معروف بطيبته وأخلاقه ووعيه وعشرته الجميلة. ولا موجب أصلاً لوجود مثل هكذا مسألة تقول بكراهة ذلك في عدد من كتب الفقه لزعامات دينية معروفة!

وخير من دافع عنهم وناقش هذه الكراهة وفنَّدها، هو سيدنا الأستاذ في كتابه (ما وراء الفقه) بما لا مزيد عليه.

ولكنني أقول هنا بأن الكثير من هذه المسائل المسطورة في بعض كتب الفقه، لهي كفيلة بتعريض قائليها إلى المحاكمة، وتطبيق بعض المواد القانونية بحقهم، لو كان هناك تطبيق حقيقي وعادل للقانون الذي ينبغي أن يسري على الجميع.

وإلى هنا فأنا مضطر لإيقاف البحث وأكتفي بهذا المقدار. مع أنني لم أتعرض إلى الكثير من التفاصيل. يكفي أن يكون هذا المقدار نواة لمشروع مستقبلي ربما يصل إلى حجم كتاب.

اعتراف

أود في الختام أن أعترف بأن الكثير من هذه البحوث مما لا تشغلني كثيراً الآن. ولكنني أحب الحديث عنها أحياناً لعدة أهداف، ومنها تصوف الذاكرة الذي أشرت إليه، لأنني أجد المتعة الشخصية في الكتابة عن هذه المباحث، تنشيطاً للذاكرة، وإثارة لما يمكن أن ألتمس منه شيئاً من المنافع على المستوى الشخصي والباطني.


أسعد الناصري



***********************


***********************

التنقل السريع